تأثير الأزمات الجيوسياسية على تطبيق IFRS 9: قراءة تحليلية في ظل الصراعات الإقليمية
مقدمة
تفرض الأزمات الجيوسياسية والصراعات المسلحة تحديات كبيرة على الشركات والمؤسسات المالية، ليس فقط من الناحية التشغيلية والاقتصادية، وإنما أيضًا من ناحية إعداد التقارير المالية.
وتزداد أهمية هذه التحديات عند تطبيق المعيار الدولي للتقرير المالي 9 (IFRS 9)، الذي ينظم جوانب رئيسية من المحاسبة عن الأدوات المالية، بما في ذلك تصنيف وقياس الأصول المالية، والخسائر الائتمانية المتوقعة، وبعض متطلبات محاسبة التحوط.
وفي ظل الصراعات الإقليمية، مثل التصعيد الإيراني-الإسرائيلي وما قد يترتب عليه من اضطرابات في الأسواق وسلاسل التوريد والتجارة الدولية وأسعار العملات والسلع، قد تحتاج المنشآت إلى إعادة تقييم بعض الافتراضات والتقديرات المستخدمة في إعداد قوائمها المالية.
فكيف يمكن أن تؤثر الأزمات الجيوسياسية على تطبيق IFRS 9؟ وما أبرز الجوانب التي تحتاج إلى اهتمام من الإدارات المالية والمحاسبين والمدققين؟
1. الخسائر الائتمانية المتوقعة (ECL): عندما تتغير المخاطر بسرعة
يُعد نموذج الخسائر الائتمانية المتوقعة (Expected Credit Loss – ECL) من أهم جوانب IFRS 9.
ويهدف النموذج إلى الاعتراف بالخسائر الائتمانية المتوقعة بصورة أكثر استباقية، بدلًا من الانتظار حتى وقوع حدث تعثر فعلي.
لكن الأزمات الجيوسياسية قد تؤدي إلى تغيرات سريعة في مستوى المخاطر الائتمانية.
فعلى سبيل المثال، قد تتعرض شركة تعمل بصورة طبيعية إلى ضغوط مالية مفاجئة نتيجة:
-
توقف عملياتها في منطقة متأثرة بالصراع.
-
تعطل سلاسل التوريد.
-
ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
-
صعوبة تحويل الأموال أو تحصيل الذمم.
-
فرض عقوبات أو قيود تجارية.
-
انخفاض قيمة العملة المحلية.
-
تراجع قدرة العملاء على السداد.
لذلك، لا يكفي الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها عند تقدير الخسائر الائتمانية المتوقعة.
بل يجب على المنشأة تقييم ما إذا كانت البيانات التاريخية ما تزال تمثل الظروف الحالية والمتوقعة، وإدخال المعلومات المستقبلية والسيناريوهات المناسبة ضمن عملية التقدير.
مثال
إذا كانت المنشأة تمتلك ذممًا مدينة على عملاء في منطقة تأثرت بصورة مباشرة بالأزمة، فقد تكون معدلات التعثر التاريخية غير كافية لقياس المخاطر الحالية.
وفي هذه الحالة، قد تحتاج الإدارة إلى إعادة تقييم احتمالات التعثر، وقيمة الضمانات، والتدفقات النقدية المتوقعة، والظروف الاقتصادية والجيوسياسية ذات الصلة.
2. ارتفاع مخاطر الائتمان وإعادة تقييم جودة العملاء
لا تقتصر آثار الأزمة على العملاء الموجودين داخل مناطق النزاع.
فقد تؤثر الأزمة بصورة غير مباشرة على شركات في دول أخرى من خلال التجارة الدولية أو أسعار الطاقة أو العملات أو تكاليف التمويل والنقل.
وبالتالي، يجب على المنشأة النظر إلى التعرض الائتماني بصورة شاملة، وعدم حصر التقييم في الموقع الجغرافي للعميل فقط.
ومن المؤشرات التي قد تستدعي مزيدًا من التحليل:
-
تراجع المبيعات أو التدفقات النقدية لدى العميل.
-
تأخر العميل في السداد.
-
تراجع التصنيف الائتماني.
-
زيادة الاعتماد على التمويل قصير الأجل.
-
صعوبة الحصول على تمويل جديد.
-
تراجع قيمة الضمانات.
-
تعرض العميل لعقوبات أو قيود تجارية.
وقد تؤثر هذه العوامل على تقدير الخسائر الائتمانية المتوقعة وتحديد ما إذا كان هناك ارتفاع جوهري في مخاطر الائتمان.
3. القيمة العادلة في الأسواق المتقلبة
قد تؤدي الأزمات الجيوسياسية إلى تقلبات كبيرة في أسعار الأدوات المالية والعملات والسلع وأسعار الفائدة.
وهنا تظهر أهمية متطلبات IFRS 13 الخاص بقياس القيمة العادلة إلى جانب متطلبات IFRS 9.
ولا يعني انخفاض السيولة أو ارتفاع التقلبات تلقائيًا أن الأسعار المتاحة في السوق أصبحت غير صالحة.
لكن المنشأة تحتاج إلى تقييم طبيعة السوق والبيانات المتاحة، وتحديد ما إذا كانت الأسعار تعكس معاملات سوقية فعلية ومنظمة، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى استخدام تقنيات تقييم ومدخلات أخرى.
وعندما تقل إمكانية الاعتماد على الأسعار المرصودة بصورة مباشرة، قد يزداد استخدام مدخلات المستوى الثاني أو المستوى الثالث بحسب طبيعة الأداة والبيانات المتاحة.
وهنا تزداد أهمية:
-
توثيق منهجية التقييم.
-
تحديد الافتراضات المستخدمة.
-
تقييم حساسية التقييم للتغير في الافتراضات.
-
مراجعة مدى اتساق التقديرات مع ظروف السوق.
-
الإفصاح المناسب عن مصادر عدم التأكد في القياس.
4. تصنيف الأصول المالية وإعادة التصنيف
من الجوانب المهمة في IFRS 9 تصنيف الأصول المالية وفق خصائص التدفقات النقدية ونموذج الأعمال الذي تُدار ضمنه الأصول.
وقد تؤدي الأزمات إلى تغيرات في طريقة إدارة بعض المحافظ المالية.
لكن من المهم الإشارة إلى أن مجرد تغير نية الإدارة أو بيع بعض الأصول بسبب الحاجة إلى السيولة لا يعني تلقائيًا وجوب إعادة تصنيفها.
إذ إن إعادة تصنيف الأصول المالية وفق IFRS 9 ترتبط بحدوث تغير في نموذج الأعمال لإدارة الأصول المالية، وهي حالة محدودة وليست إجراءً يمكن للمنشأة القيام به عند كل تغير في ظروف السوق.
لذلك، في حالات الأزمات، يجب على الإدارة توثيق أي تغير جوهري في طريقة إدارة المحفظة المالية وتقييم آثاره المحاسبية بصورة دقيقة.
5. مخاطر السيولة والالتزامات المالية
قد تؤدي الأزمات الجيوسياسية إلى ضغط كبير على السيولة، خصوصًا بالنسبة للمنشآت التي تعتمد على التمويل الخارجي أو التجارة الدولية.
وقد تظهر الضغوط من خلال:
-
صعوبة تجديد التسهيلات الائتمانية.
-
ارتفاع تكاليف الاقتراض.
-
انخفاض التدفقات النقدية الداخلة.
-
زيادة آجال تحصيل الذمم.
-
ارتفاع تكاليف الموردين.
-
تغير شروط التمويل.
وتحتاج الإدارة إلى تقييم قدرة المنشأة على الوفاء بالتزاماتها المالية، مع مراعاة السيناريوهات المحتملة للتدفقات النقدية والتمويل.
ولا ينبغي النظر إلى IFRS 9 بمعزل عن المتطلبات الأخرى المتعلقة بالاستمرارية وإعداد القوائم المالية، إذ قد تتداخل آثار الأزمة مع متطلبات أخرى في المعايير الدولية للتقرير المالي.
6. الضمانات والأصول المرتبطة بالأدوات المالية
في بعض الحالات، قد تؤثر الأزمات الجيوسياسية على قيمة الضمانات المرتبطة بالقروض والتسهيلات الائتمانية.
فالعقار أو الأصل المستخدم كضمان قد تنخفض قيمته بسبب تراجع النشاط الاقتصادي أو انخفاض الطلب أو صعوبة الوصول إلى المنطقة التي يوجد فيها الأصل.
وهذا قد يؤثر على تقدير الخسائر الائتمانية المتوقعة، خصوصًا عندما تعتمد عملية التقدير على التدفقات النقدية المتوقعة من الضمانات.
لذلك، قد تحتاج المنشأة إلى تحديث تقييماتها للضمانات والتأكد من أن الافتراضات المستخدمة في نماذج ECL ما تزال مناسبة.
7. العقوبات والقيود التجارية وتأثيرها على الأدوات المالية
يمكن أن تؤدي العقوبات الاقتصادية والقيود التجارية والتحويلات المالية إلى زيادة تعقيد المعاملات المالية الدولية.
وقد تواجه المنشآت، على سبيل المثال، صعوبة في:
-
تحصيل مستحقات من بعض العملاء.
-
تحويل الأموال عبر الحدود.
-
تسوية بعض الالتزامات.
-
التعامل مع بنوك أو مؤسسات مالية معينة.
-
تقييم إمكانية تنفيذ العقود المالية.
ولا يعني وجود قيود سياسية أو اقتصادية وحده تحديد المعالجة المحاسبية، لكن يجب على المنشأة تقييم أثر هذه الظروف على قابلية التحصيل والتدفقات النقدية والمخاطر الائتمانية والقيمة العادلة بحسب طبيعة الأداة والمعاملة.
8. الاستمرارية: عندما تتجاوز آثار الأزمة IFRS 9
قد تكون الأزمة الجيوسياسية شديدة لدرجة تؤثر على قدرة المنشأة على الاستمرار في نشاطها.
وهنا يجب عدم تحميل IFRS 9 مسؤولية جميع المعالجات المحاسبية المتعلقة بالأزمة.
فموضوع الاستمرارية يرتبط بمتطلبات أخرى في إعداد القوائم المالية، ويحتاج إلى تقييم مستقل لقدرة المنشأة على الاستمرار في أعمالها والوفاء بالتزاماتها.
فعلى سبيل المثال، قد تواجه شركة لوجستية تعتمد على ميناء أو طريق تجاري معين انخفاضًا حادًا في نشاطها نتيجة إغلاق الميناء أو تعطل خطوط النقل.
وفي هذه الحالة، قد تحتاج الإدارة إلى إعادة تقييم:
-
التدفقات النقدية المستقبلية.
-
مصادر التمويل.
-
الالتزامات المستحقة.
-
خطط الطوارئ.
-
قدرة المنشأة على مواصلة عملياتها.
وهذا التقييم قد تكون له آثار مهمة على القوائم المالية والإفصاحات المصاحبة لها.
9. أهمية الإفصاحات في أوقات الأزمات
لا تتوقف الاستجابة المحاسبية للأزمات عند تسجيل القيود المحاسبية.
ففي بيئة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، تصبح الإفصاحات المالية عنصرًا أساسيًا لفهم مستخدمي القوائم المالية للمخاطر التي تواجه المنشأة.
وقد تحتاج المنشأة، بحسب ظروفها وأهمية التأثير، إلى تقديم معلومات تساعد مستخدمي القوائم المالية على فهم:
-
طبيعة المخاطر التي تواجهها.
-
مدى تعرضها لمخاطر الائتمان والسيولة.
-
الافتراضات الرئيسية المستخدمة في التقديرات.
-
مصادر عدم التأكد في القياس.
-
التغيرات الجوهرية في التقديرات.
-
التأثيرات المحتملة على التدفقات النقدية.
والهدف من ذلك ليس التنبؤ بالمستقبل بدقة، وإنما تقديم معلومات كافية وموثوقة تساعد مستخدمي القوائم المالية على تقييم الوضع المالي للمنشأة.
10. ماذا يجب أن تفعل الإدارة والمحاسب والمدقق؟
في ظل الأزمات الجيوسياسية، لا يكفي تحديث الأرقام بصورة آلية.
بل تحتاج المنشأة إلى اتباع منهج متكامل يتضمن:
أولًا: تحديث تقييم المخاطر
يجب تحديد الأدوات المالية والعملاء والأسواق والمناطق والعمليات الأكثر تعرضًا لتداعيات الأزمة.
ثانيًا: مراجعة نماذج ECL
يجب تقييم ما إذا كانت الافتراضات والبيانات المستخدمة في نموذج الخسائر الائتمانية المتوقعة ما تزال مناسبة للظروف الحالية والمستقبلية.
ثالثًا: اختبار السيناريوهات
يمكن استخدام أكثر من سيناريو لتقييم أثر استمرار الأزمة أو اتساع نطاقها أو تحسن الظروف، مع إعطاء الأوزان المناسبة للسيناريوهات وفق المعلومات المتاحة.
رابعًا: مراجعة التقييمات
عند وجود أدوات مالية يتم قياسها بالقيمة العادلة، ينبغي مراجعة البيانات والمدخلات المستخدمة في التقييم ومدى ملاءمتها لظروف السوق.
خامسًا: تعزيز التوثيق
كلما زادت درجة عدم اليقين، ازدادت أهمية توثيق الأحكام المهنية والافتراضات والبيانات المستخدمة في الوصول إلى التقديرات المحاسبية.
سادسًا: مراجعة الإفصاحات
يجب التأكد من أن القوائم المالية والإيضاحات المرفقة بها تعكس المخاطر والشكوك الجوهرية التي قد تكون ذات أهمية لمستخدمي القوائم المالية.
الخلاصة
لا يضع IFRS 9 نموذجًا محاسبيًا خاصًا بالحروب أو الأزمات الجيوسياسية، لكنه يتطلب من المنشآت أن تأخذ المعلومات المتاحة والظروف الحالية والتوقعات المستقبلية ذات الصلة في الاعتبار عند قياس وتصنيف بعض الأدوات المالية.
ولهذا فإن الأزمات الجيوسياسية لا تعني تغيير المعايير المحاسبية، وإنما قد تعني تغيير المدخلات والافتراضات والتقديرات والأحكام المهنية المستخدمة في تطبيقها.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح جودة البيانات، وفعالية إدارة المخاطر، ودقة النماذج، والتوثيق المهني، وجودة الإفصاحات عوامل أساسية لضمان أن تعكس القوائم المالية آثار الأزمة بصورة عادلة ومفهومة.
وفي النهاية، لا تتمثل مسؤولية المحاسب والمدقق في التنبؤ بما سيحدث سياسيًا أو اقتصاديًا، وإنما في التأكد من أن الآثار المالية للظروف القائمة والمعلومات المتاحة قد انعكست في التقارير المالية وفق المتطلبات المهنية والمعايير ذات العلاقة.
هل تحتاج إلى استشارة محاسبية أو فنية؟
قد تتطلب آثار الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية على الأدوات المالية تقييمًا متخصصًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالخسائر الائتمانية المتوقعة، أو تقييم الأدوات المالية، أو الإفصاحات، أو التقديرات المحاسبية.
يزيد احميده للتدقيق والاستشارات يقدم خدمات التدقيق والاستشارات المحاسبية والفنية لمساعدة المنشآت على تقييم ومعالجة الموضوعات المحاسبية وفق طبيعة أعمالها والمتطلبات المهنية ذات العلاقة.
إذا كانت منشأتك تواجه تحديات محاسبية أو مالية نتيجة تغيرات السوق أو الظروف الاقتصادية، لا تتردد في التواصل معنا للحصول على الاستشارة المناسبة.